أحمد مصطفى المراغي

6

تفسير المراغي

و قد روى في تفسير الآية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أيكم أحسن عقلا ، وأورع عن محارم اللّه ، وأسرع في طاعته عزّ وجل » يعنى أيكم أتم فهما لما يصدر عن حضرة القدس ، وأكمل ضبطا لما يؤخذ من خطابه ، وأيكم أبعد عن ملابسة الكبائر ، وأسرع في إجابة داعى اللّه . وفيه ترغيب في الطاعات وزجر عن المعاصي كما لا يخفى على ذوى الألباب . ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) أي وهو القوى الشديد الانتقام ممن عصاه وخالف أمره ، الغفور لذنوب من أناب إليه وأقلع عنها . وقد قرن سبحانه الترهيب بالترغيب في مواضع كثيرة من كتابه كقوله تعالى : « نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ » . وإثبات العزة والغفران له يتضمن كونه قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، ليجازى المحسن والمسئ بالثواب والعقاب ، ويعلم المطيع من العاصي ، فلا يقع خطأ في إيصال الحق إلى من يستحقه ، ثوابا كان أو عقابا . ثم ذكر دلائل قدرته فقال : ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ) أي هو الذي أوجد سبع سماوات بعضها فوق بعض في جوّ الهواء بلا عماد ، ولا رابط يربطها مع اختصاص كل منها بحيز معين ونظم ثابتة لا تتغير ؛ بل بنظام الجاذبية البديع بين أجرام الأرضين والسماوات ، كما جاء في قوله : « اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى » . ثم ذكر دلائل العلم فقال : ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) أي لا ترى أيها الرائي تفاوتا وعدم تناسب ، فلا يتجاوز شئ منه الحد الذي يجب له زيادة أو نقصا على نحو ما قيل :